-
من "تعددية المكونات" إلى "أحادية البقاء": تشريح الاستراتيجيات العدمية في الخطاب السياسي
ليست الأزمة في تصادم الرؤى السياسية، بل في اللحظة التي يتحول فيها الخلاف الاستراتيجي إلى مبرر لـ "نزع الشرعية السياسية والاجتماعية" عن الآخر تمهيداً لإخراجه من التاريخ والجغرافيا. فحين تُنتهك الشراكة الوطنية، لا يكون الخطاب المتشنج مجرد انعكاسٍ لصراع على السلطة، بل هو تجلٍّ لمنظومة مفاهيمية كاملة تسعى لإعادة صياغة "المجال العام" على مقاسات إقصائية؛ إنها عملية "هندسة اجتماعية قسرية" تبدأ باختزال الوطن في "الفئة الناجية" سياسياً، وتنتهي بتحويل المختلف إلى "كيان فائض" عن حاجة الدولة.
إن آلة الاختزال الحاصلة من المواطن إلى "التابع" هنا تكمن الخطورة في تلك الجملة التي تتردد ببراعة تكتيكية: «لا يجمعنا بهم عقد اجتماعي، ولا تشابه استراتيجي، ولا وحدة مصير». خلف هذا الادعاء تعمل آلة ذهنية تعتمد "الاختزال الوظيفي": يُعرف الفرد أو المكون المجتمعي بلونه السياسي أو المذهبي حصراً، ويُجرد من صبغته كمواطن يتمتع بحقوق طبيعية وقانونية. هذا الاختزال هو حجر الزاوية في "سياسات الهوية" التي تُلغي تعددية الفرد، وتجعل من "الولاء المطلق" المعيار الوحيد للوجود؛ فإذا سقط "الانسجام الأيديولوجي"، سقطت معه حصانة المواطنة.
إن استراتيجية الفعل الحاصل من التراتبية السياسية والأمنية والعقلية الجمعية تدخل وفق مفهوم سياق صناعة "الغريب" في الداخل
في هذا الخطاب الشبه مُعمم، لا يُنظر إلى الاختلاف كعنصر توازن، بل كـ "تهديد وجودي". هنا يتم الانتقال من "التنافس" إلى "الاستئصال الرمزي"، حيث يُعاد رسم حدود الدولة لتصبح حدوداً أيديولوجية لا جغرافية، ويتحول الآخر من شريك في تقرير المصير إلى "عنصر غريب" يجب تحييده. هذه القفزة تحول الدولة من "حكم محايد" بين المصالح المتضاربة إلى "أداة هيمنة" لفئة واحدة، والنتيجة الحتمية هي تفتيت الكتلة الوطنية وتحويلها إلى جزر معزولة يحكمها منطق "الغالب والمغلوب".
وكما يقول المناضل العالمي نيلسون مانديلا:
"إن نزع إنسانية الآخر ليس مجرد جريمة بحق الضحية، بل هو سجنٌ للمُضطَهد نفسه؛ فمن يسلب حرية وإنسانية غيره هو سجينٌ للكراهية، ومقيدٌ بقضبان التحيز وضيق الأفق."
وفق هذا الإطار سوف يؤدي الأستثمار السياسي في المظلومية حتماً إلى شرعنة العنف الرمزي
حيث يتم توظيف "المظلومية التاريخية ذات البعد المذهبي وحتى العرقي" لتحويلها إلى "رصيد سياسي" يمنح حامله الحق في تجاوز القواعد الأخلاقية والقانونية. يُستخدم الجرح الجماعي ليس كدافع لتحقيق العدالة الانتقالية، بل كذريعة لممارسة "الإقصاء المضاد". هذا التوظيف يحول الضحية إلى مشروع مستبد جديد، حيث تُشرعن "ردة الفعل" مهما بلغت حدتها بوصفها استرداداً للحق، وهنا يغيب مفهوم "دولة القانون" التي تفصل بين الحقوق الشخصية والمسؤولية الجنائية، ويحل محلها منطق "العقاب الجماعي".
فلا بدأ هنا إلى إدراك التداعيات الاستراتيجية على السوريون أفراد وجماعات وكيفية تفكيك السردية، حيث إن استبدال "المواطنة" بـ "التطابق" يؤدي إلى تآكل العقد الاجتماعي والسيولة الأمنية؛ فما يُباح لسانياً يصبح متاحاً عملياً عند أول منعطف أمني. لذا، فإن مواجهة هذا الخطاب تتطلب:
_حييد مؤسسات الدولة: استعادتها كفضاء حقوقي يقف على مسافة واحدة من الجميع.
أولوية "الفعل" على "الهوية": بناء المواطنة على أساس الالتزام بالقانون لا المعتقد.
عقلنة الصراع: تحويل الصدام من "وجودي" إلى "برامجاتي" يتسع للجميع.
إن السياسة حين تُستخدم لتعزيز التماسك الوطني، تصبح فناً للممكن وبناءً للمستقبل، أما حين تُستخدم لفرز البشر ونزع شرعيتهم، فإنها تتحول إلى أداة انتحار جماعي.
في النهاية من نافلة القول:
إن الاستراتيجيات التي تقتات على "صناعة الأعداء" في الداخل قد تمنح مكاسب سلطوية آنية، لكنها انتحارٌ استراتيجي بعيد المدى. فالوطن لا يُبنى بالوحدانية القسرية، بل بالتعددية المنظمة تحت سقف القانون. وفي نهاية المطاف، لن ينجو المشرط الذي يقطع أوصال المجتمع، لأن الجرح الذي يفتحه اليوم، لن يجد غداً جسداً سليماً يحمله.
#سوريا_بدها_تعيش_بالشراكة_والتآخي_والتعددية_مع_الجميع_ولأجل_الجميع.
#سوريا_بدها_مؤسسات_قانون_حقوق_عدالة_مواطنة_كرامة_أخلاق
ليفانت: السياسي والإعلامي : أحمد منصور
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

